خليل الصفدي
46
أعيان العصر وأعوان النصر
شاعر أصبح به راجح الحلي « 1 » ناقصا ، وكان سابقا فأصبح على عقبه ناكصا ، أجاد القصائد المطوّلة والمقاطيع ، وأتى بما أخجل زهر النجوم في السماء فما قدر زهر الأرض في الربيع ، تطربك ألفاظه المصقولة ومعانيه المعلولة ، ومقاصده التي كأنها سهام راشقة ، أو سيوف مسلولة . يغوص على المعاني ، ويستخرج جواهرها ، ويصعد بمخيلته الصحيحة إلى السماء ويلتقط زواهرها ، كلامه السحر إلا أنه خلال ، ولفظه على القلب الظمآن ألذّ من الماء الزلال ، تلعب بالمعاني كما يتلعّب النسيم بالأغصان اللدان ، وولد بعضها من بعض كما يتولد الضرج من الخجل في خدود الولدان ، مع بديع ما سمع بمثله البديع ، وترصيع ما ألم به الصريع . وشعره مع حلاوة الديباجة ، وطلاوة التركيب التي ما فرحت بها طلاء الدن ، ولا سلافة الزجاجة ، لا يخلو من نكت أدبية ترقص المناكب ، وفوائد عملية من كل فن ينقص الكواكب ، عالما بكل ما يقول ، عارفا بغرائب النقول . أجاد فنون النظم غير القريض ، وأتى في الجميع بما هو شفاء القلب المريض ؛ لأنه نظم القريض فبلغ فيه الغاية ، وحمل قدامة جماعة من فحول الأقدمين الراية . وكذلك هو في الموشحات ، والأزجال ، والمكفرات ، والبلاليق ، والقرقيات ، والدوبيت ، والمواليا ، والكان ، وكان والقوما ، ليس له في كل ذلك نظير يجاريه ، ولا يعارضه ولا يباريه . وأما الشعر فجوّد فنونه ، وصاد من بره ضبه ، ومن بحره نونه ؛ لأنه أبدع في مديحه وهجوه ، ورثائه وأغزاله ، وأوصافه ، وتشبيهاته ، وطردياته وحماسته ، وحكمه وأمثاله ، لم ينحط في شيء منها عن الذروة ، ولم يخرج في مشاعرها عن الصفا والمروة . وأما نثره فهو طبقة وسطى ، وترسّله يحتاج في ترويجه إلى أن يعلق في أذنه قرطا ، وعلى الجملة فإنه ، وكان يسافر ويتجر ، ويعف في بعض الأحيان عن الاجتداء ويزدجر ، وكان منقطعا إلى الملوك الأرتقية أصحاب ماردين ، وشهر مدائحهم في الصادرين والواردين ، وكانت فيه شجاعة وإقدام ، وقوة جنان وثبوت أقدام . ورد إلى مصر ، وامتدح السلطان الملك الناصر ، وبز بمديحه كل متقدم ومعاصر ، وعاد إلى البلاد الشرقية ، إلا أنه كان شيعيا ، وليس هذا الأمر في الحلة بدعيا .
--> ( 1 ) راجح الحلي هو : ابن إسماعيل الأسدي الحلي ، شاعر من أهل الحلة ، المتوفى في سنة 627 ه ، وشذرات الذهب : 5 / 123 ، الأعلام : 3 / 10 .